أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
346
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ أبو حيوة « كتب اللّه » على أن « كتب » فعل ماض ، و « اللّه » فاعل به ، وهي تؤيد كونه منصوبا على المصدر المؤكد . وقرأ ابن السّميفع اليماني : « كتب اللّه » جعله جمعا مرفوعا مضافا للّه تعالى على أنه خبر مبتدإ محذوف ، تقديره : هذه كتب اللّه عليكم . قوله : وَأُحِلَّ قرأ الأخوان وحفص عن عاصم : « أُحِلَّ » مبنيا للمفعول ، والباقون مبنيا للفاعل ، وكلتا القراءتين الفعل فيهما معطوف على الجملة الفعلية من قوله : « حرّمت » ، والمحرّم والمحلّل هو اللّه تعالى في الموضعين ، سواء صرّح بإسناد الفعل إلى ضميره أو حذف الفاعل للعلم به . وادّعى الزمخشري أن قراءة « أحلّ » مبنيا للمفعول عطف على « حُرِّمَتْ » ليعطف فعل مبني للمفعول على مثله ، وأما على قراءة بنائه للفاعل فجعله معطوفا على الفعل المقدّر الناصب ل « كتاب » كأنه قيل : كتب اللّه عليكم تحريم ذلك وأحلّ لكم ما وراء ذلكم . قال الشيخ « 1 » : « وما اختاره - يعني من التفرقة بين القراءتين - غير مختار ؛ لأنّ الناصب ل « كِتابَ اللَّهِ » جملة مؤكدة لمضمون الجملة من قوله « حرّمت » إلى آخره ، وقوله « وَأُحِلَّ لَكُمْ » جملة تأسيسية فلا يناسب أن تعطف إلا على تأسيسية مثلها لا على جملة مؤكدة ، والجملتان هنا متقابلتان ، إذ إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل ، فالمناسب أن تعطف إحداهما على الأخرى لا على جملة أخرى غير الأولى ، وقد فعل هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول فليكن هذا مثله » وفي هذا الردّ نظر . و « ما وَراءَ ذلِكُمْ » مفعول به : إمّا منصوب المحل أو مرفوعه على حسب القراءتين في « أحلّ » . قوله : أَنْ تَبْتَغُوا في محلّه ثلاثة أوجه : الرفع والنصب والجر ، فالرفع على أنه بدل من « ما وَراءَ ذلِكُمْ » على قراءة « أحلّ » مبنيا للمفعول ؛ لأن « ما » حينئذ قائمة مقام الفاعل ، وهذا بدل منها بدل اشتمال . وأمّا النصب فالأجود أن يكون على أنه بدل من « ما » المتقدمة على قراءة « أحلّ » مبنيا للفاعل ، كأنه قال : وأحلّ اللّه لكم الابتغاء بأموالكم من تزويج أو ملك يمين . وأجاز الزمخشري أن يكون نصبه على المفعول من أجله ، قال : « بمعنى : بيّن لكم ما يحلّ ممّا يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل اللّه لكم قياما في حال كونكم محصنين » . وأنحى عليه الشيخ « 2 » ، وجعله إنما قصد بذلك دسيسة الاعتزال ثم قال : « وظاهر الآية غير ما فهمه ، إذ الظاهر أنه تعالى أحلّ لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الإحصان لا حالة السّفاح ، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب « أَنْ تَبْتَغُوا » مفعولا له ، لأنه فات شرط من شروط المفعول له وهو اتحاد الفاعل في العامل والمفعول له ، لأنّ الفاعل ب « أحلّ » هو اللّه تعالى والفاعل في « تَبْتَغُوا » ضمير المخاطبين فقد اختلفا ، ولمّا أحسّ الزمخشري - إن كان أحسّ - جعل « أَنْ تَبْتَغُوا » على حذف « إرادة » حتى يتحد الفاعل في قوله « وَأُحِلَّ » وفي المفعول له ، ولم يجعل « أَنْ تَبْتَغُوا » مفعولا له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه ، وهذا كلّه خروج عن الظاهر » . انتهى . ولا أدري ما هذا التحمّل ، ولا كيف يخفى على أبي القاسم شرط اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول : « إن كان أحسّ » ! ! !
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 216 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 217 ) .